ليلى ندا تكتب : الوطن
- ليس الفراق في أقسى تجلياته نقضًا لعهد الهوى،
- حين يفيض به قلبه و لا يسعه الوصل ، و تغدو أواصره أغلالًا من لهب تُرهق الروح وتستنزفها استنزافًا بطيئًا، فلا أنت إلى الوصال انتقلت ، و لا إلى الفراق ارتحلت
- فتنتشل بقايا روحك المهزومة و ترحل و تصمم أن تهدم كل الجسور لئلا يقتلك الانتظار ، و تدمر أي بصيص أمل لأن الموت الرحيم أهون من الشقاء المقيم
- فالأمل و إن طال مقامه أشد فتكًا من اليأس
ليس الفراق في أقسى تجلياته نقضًا لعهد الهوى،
بل قد يكون ذروة الوفاء له…
حين يفيض به قلبه و لا يسعه الوصل ، و تغدو أواصره أغلالًا من لهب تُرهق الروح وتستنزفها استنزافًا بطيئًا، فلا أنت إلى الوصال انتقلت ، و لا إلى الفراق ارتحلت ..
فتنتشل بقايا روحك المهزومة و ترحل و تصمم أن تهدم كل الجسور لئلا يقتلك الانتظار ، و تدمر أي بصيص أمل لأن الموت الرحيم أهون من الشقاء المقيم .. فالأمل و إن طال مقامه أشد فتكًا من اليأس ..
كنت أتعجب من السيدة أم كلثوم عندما تقول :
غصبت روحي على الهجران
و انت هواك يجري في دمي
و فضلت أفكر في النسيان
لما بقى النسيان همي ..
وعند تلك الذروة تستدعي النسيان قسرا فيغدو عبئا جديدًا متجددًا..
إن فلسفة الحب عجيبة جدا ، عندما يحب المرء بشدة فإنه يشتاق حبيبه و يتمنى لقاءه ،و عندما يشتد به الحنين و يصل إلى ذروته ، يهرب من محبوبه و يهيم على وجهه و يحاول الإختباء من نفسه و مشاعره و يتجنب مواجهة نفسه خشيةً أن يُفتنَ بقرب لا طاقة له بعواقبه .. إلى أن يصل الحب لمنتهاه ..
فربما وقتها يتيقن جليًا .. أن البقاءَ أهم من اللقاء ..
ذلك هو مقام الحب إذا سمت درجته…
مقامٌ معلّقٌ بين النعيم والهلاك، فهو بمثابة أهل الأعراف ، يفضل البقاء على شفا حفرةٍ من النار .. يرقب النور و لا يدنو،
ويأنس بالرؤية و لا يطلب الامتلاك ، فهو قانع بمنزلته و يكفيه ان يناظر جنته من بعيد ..
فإن لاح له الرجاء، خفق قلبه حتى كاد يطير،
و اوصدت أبوابها يعزّى نفسه بأنه لم يُحرم مرآها ..
هو الآن في المسافة الآمنة .. يحفظ على الأقل ماءَ وجهه ..
و إن لفحته نار الشوق .. فهو بها مغرم .. و
وأيّ نارٍ تاكلُ قلبًا أضرم فيه الوجد حرائقه حتى أفناه؟
كأن الشوق يصرعه،
ثم ينهض به الحنين من رماده،
في دورةٍ سرمدية من الاحتراق والانبعاث.
إنه يحب… و يتهيّب ما يحب،
لأن الجمال إذا استحال قدرًا غدا أخطر من الفناء،
ولأن القلب، حين يُسلّم نفسه،
يُقامر بكرامته على حدّ السكين ، فإما نعيمٌ مُقيم أو جهنم مستعرة ..
فهو يُدرك تماما أنه يتعلّق بما لا يُملك، لكن فؤاده يأبى الانصياع، و عقله يقاوم التسليم ..
فيهرب مجددًا ..
ثم لا يلبث أن يعود،
كأنما المنفى هو الوطن الوحيد .
















