رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الأمن الفكري
- بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
- مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
- ورئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
- مما لاشك فيه أن من أعظمَ ما يمتنُّ اللهُ به على عباده نعمةُ الأمنِ والأمانِ
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
ورئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن من أعظمَ ما يمتنُّ اللهُ به على عباده نعمةُ الأمنِ والأمانِ؛ فهي سِراجُ الحياةِ، وروحُ العمرانِ، وأساسُ كلِّ نهضةٍ وبنيانٍ، ولا تُقامُ الشعائرُ، ولا تُؤدَّى العباداتُ، ولا تُبنى الحضاراتُ، ولا تُنمَى الثرواتُ إلا في ظلالِها الوارفةِ.
وإنَّ الأمنَ في مفهومِه الشموليِّ لا يقتصرُ على حمايةِ الأنفسِ والأموالِ والأعراضِ، بل يمتدُّ ليشملَ حمايةَ العقولِ من التضليلِ، والأفكارِ من الانحرافِ، والوعيِ من الغلوِّ والتطرفِ والشائعاتِ والأفكارِ الهدَّامةِ.
وقد كان الأمنُ أولَ دعوةٍ دعا بها خليلُ الرحمنِ إبراهيمُ عليه السلامُ، فقدَّمَه على الرزقِ، بل جعلَه قرينَ التوحيدِ في دعائِه؛ وهذا معنى عظيمٌ من معاني الإيمانِ الذي جاءت به شريعةُ الإسلامِ، فمنذُ أن أشرقتْ شمسُ هذه الشريعةِ الغرَّاءِ
● الأمنُ لغةً واصطلاحًا
▪️الأمنُ في اللغةِ: ضدُّ الخوفِ، وهو سكونُ القلبِ وطمأنينتُه، وعدمُ توقُّعِ المكروه.
▪️وفي الاصطلاحِ: هو سلامةُ الإنسانِ في نفسِه ودينِه وعقلِه وعِرضِه ومالِه، وهو أحدُ الضروراتِ الخمسِ التي جاءتِ الشرائعُ السماويةُ بالمحافظةِ عليها.
● الأمنُ أعظمُ نعمِ اللهِ.
إنَّ من أعظمِ نعمِ اللهِ تعالى على الإنسانِ نعمةَ الأمنِ، فهي إحدى الركائزِ الأساسيةِ لاستقرارِ المجتمعاتِ وازدهارِها، وبه تُعبَدُ اللهُ في أرضِه، وبه تُحفَظُ الدماءُ أن تُراقَ، وبه تُصانُ الأعراضُ أن تُنتهَكَ، والأموالُ أن تُسلبَ، والأرضُ أن تُغتصَبَ. وهكذا كلُّ عبادةٍ مردُّها في الأساسِ إلى نعمةِ الأمنِ.
ولقد قدَّم السياقُ القرآنيُّ نعمةَ الأمنِ على طلبِ الرزقِ والمنافعِ الماديةِ؛ فقال سبحانه على لسانِ خليلِه إبراهيمَ عليه السلامُ:
﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِۦمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنࣰا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ [البقرة، رقم: ١٢٦].
فتأمَّلوا كيف قدَّم الأمنَ على الرزقِ؛ لأنَّ الرزقَ لا يُهنَّأُ به في غيابِ الأمنِ، ولا تُستَطابُ ثمراتُه مع الخوفِ والاضطرابِ.
وقال تعالى حكايةً عن خليلِه أيضًا:
﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنࣰا وَٱجۡنُبۡنِی وَبَنِیَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ﴾ [إبراهيم، رقم: ٣٥].
فجمعَ عليه السلامُ بين أمنينِ عظيمينِ: أمنٍ عامٍّ شاملٍ يحفظُ الأنفسَ والأموالَ والأعراضَ، وأمنٍ خاصٍّ هو أمنُ العقيدةِ من الشركِ، وسلامةُ التوحيدِ من الضلالِ، وهذا هو لبُّ الأمنِ الفكريِّ الذي ننشُدُه.
قال الفخر الرازي: (وإنما قال: ﴿بَلَدًا ءَامِنࣰا﴾ على التنكير، وقال: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنࣰا﴾ على التعريف لوجهين: الأول: أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدًا، كأنه قال: اجعل هذا الوادي بلدًا آمًنا، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدًا، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدًا ذا أمن وسلامة؛ الثاني: أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلدًا، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة؛ لأن التنكير يدل على المبالغة، فقوله: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنࣰا﴾ معناه: اجعله من البلدان الكاملة في الأمن، وأما قوله: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنࣰا﴾ فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة) <مفاتيح الغيب: فخر الدين الرازي، ج٤، ص٥٦، ط١، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٢٠هـ>.
● حديثُ النعمةِ الجامعةِ
وعن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» <رواه الترمذي وابن ماجه>.
قال المُناوي: (يعني: من جمع الله له بين عافية بدنه وأمن قلبه حيث توجه وكفاف عيشه بقوت يومه وسلامة أهله فقد جمع الله له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها؛ فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها بأن يصرفها في طاعة المنعم لا في معصية ولا يفتر عن ذكره، «فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» أي: فكأنما أعطي الدنيا بأسرها) <فيض القدير: محمد عبد الرؤوف المناوي، ج٦، ص١٣٤، ط١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ>.
فيا لها من نعمةٍ لو تأمَّلَها العاقلُ لَعَلِمَ أنَّه لا يَعدِلُها شيءٌ في هذه الدنيا.
وقال العاقلُ الحكيمُ:
«ومَنْ رَعَى غَنَمًا في أَرْضِ مَسْبَعَةٍ *** ونامَ عَنْها تَوَلَّى رَعْيَهَا الأَسَدُ»
فتأمَّلْ كيف أنَّ التهاونَ في حفظِ النعمةِ يُعرِّضُها للضياعِ.
● امتنانُ اللهِ على قريشٍ بنعمةِ الأمنِ
وقد امتنَّ اللهُ سبحانه على قريشٍ بنعمةِ الأمنِ فقال:
﴿وَقَالُوا۟ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَاۤۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنࣰا یُجۡبَىٰۤ إِلَیۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَیۡءࣲ رِّزۡقࣰا مِّن لَّدُنَّا﴾ [القصص، رقم: ٥٧].
فأنكرَ عليهم سبحانَه تخوُّفَهم من اتباعِ الهدى بحجَّةِ الخوفِ من التخطُّفِ، وذكَّرَهم بأنَّه جعلَ لهم حرمًا آمنًا يُجبَى إليه ثمراتُ كلِّ شيءٍ.
قال القرطبي: (أي ذا أمن؛ وذلك أن العرب كانت في الجاهلية يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا بحرمة الحرم، فأخبر أنه قد أمنهم بحرمة البيت، ومنع عنهم عدوهم، فلا يخافون أن تستحل العرب حرمة في قتالهم، قال يحيى بن سلَّام يقول: “كنتم آمنين في حرمي، تأكلون رزقي، وتعبدون غيري، أفتخافون إذا عبدتموني وآمنتم بي”) <الجامع لأحكام القرآن: أبو عبد الله القرطبي، ج١٣، ص٢٩٧، ط٢، دار الكتب المصرية، القاهرة، ١٣٨٤هـ>.
● الأمنُ قرينُ الإيمانِ
وقال تعالى:
﴿فَلۡیَعۡبُدُوا۟ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَیۡتِ ٱلَّذِیۤ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعࣲ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ﴾ [قريش، رقم: ٣ – ٤].
قال أبو حيان: (فضلهم على العرب بكونهم يأمنون حيث ما حلوا، فيقال: هؤلاء قطان بيت الله.













