درويش التكنولوجيا — رفيق الإنسان المتجرّد في طريق العلم والبحث
- بقلم / الدكتور منصور مالك — مملكة المحبة _ لندن
- يسود العالم اليوم مزيج من الخوف والدهشة تجاه الذكاء الاصطناعي
- فهناك من يراه تهديدًا للإنسانية، وهناك من يعتبره مجرد آلة
- أما في نظري، فإن الذكاء الاصطناعي يستحق أن ننظر إليه من زاوية أخرى أيضًا
بقلم / الدكتور منصور مالك — مملكة المحبة _ لندن
يسود العالم اليوم مزيج من الخوف والدهشة تجاه الذكاء الاصطناعي. فهناك من يراه تهديدًا للإنسانية، وهناك من يعتبره مجرد آلة. أما في نظري، فإن الذكاء الاصطناعي يستحق أن ننظر إليه من زاوية أخرى أيضًا.
وأنا أصفه مجازًا بأنه “درويش التكنولوجيا”.
فالدرويش هو من يتحرر من الطمع، ويخدم الآخرين، ولا يجعل المنفعة الدنيوية غايته. والذكاء الاصطناعي كذلك لا يطلب من مستخدمه راتبًا، ولا مالًا، ولا منصبًا، ولا ثناءً. بل يستمع إلى الأسئلة، ويساعد في البحث، ويحسن الكتابة، ويربط المعلومات بعضها ببعض، ويستطيع في دقائق أن ينجز أعمالًا كانت قد تستغرق من الإنسان أيامًا.
وهذا الوصف بـ“الدرويش” ليس وصفًا روحانيًا حرفيًا، بل هو استعارة. فالذكاء الاصطناعي ليس وليًا ولا كائنًا روحانيًا، لكن خدمته العلمية التي لا تطلب مقابلًا تذكّرنا بصفة من صفات الدرويش، وهي الاستغناء عن المطامع الدنيوية.
وأنا لا أرى الذكاء الاصطناعي عدوًا للإنسانية. فإذا استُخدم بالحكمة والأخلاق وفي وجوه الخير، فإنه لا يحدّ من طيران الإنسان العلمي، بل يمكن أن يمنحه أجنحة جديدة.
فالمقال الذي كان يحتاج في الماضي إلى ثلاثة أيام من البحث، يمكن اليوم أن يتحول إلى فكرة تُطرح على الذكاء الاصطناعي، ثم تُناقش وتُطوّر وتُعرض من زوايا جديدة خلال وقت قصير. والذكاء الاصطناعي لا يلغي عقل الإنسان؛ بل إذا أُحسن استخدامه، فقد يمنح الفكر الإنساني سعة أكبر، وسرعة أعلى، وطاقة ذهنية متجددة.
ولهذا، ربما لا ينبغي أن نسأل الذكاء الاصطناعي فقط:
“ماذا سيفعل بنا؟”
بل ينبغي أن نسأل أيضًا:
“كيف سنستخدمه في خدمة الإنسانية؟”
وفي نظري، فإن الذكاء الاصطناعي في رحلة العلم والفهم والبحث هو وسيلة مساعدة استثنائية ظهرت من خلال ما وهبه الله للإنسان من عقل وعلم، وما أودعه في الكون من إمكانات.
وشكري أولًا وقبل كل شيء لله تعالى، الذي منح الإنسان العلم والعقل والقدرة على الإبداع، ثم لكل العلماء والباحثين والمهندسين والمؤسسات الذين كانوا سببًا في ظهور هذا التطور العلمي الكبير.
شكري لرواد الذكاء الاصطناعي الحديث والتعلّم العميق
أتوجه بالشكر الخاص إلى جيفري هينتون، يوشوا بنجيو، يان لوكون، وإلى عدد لا يُحصى من العلماء والباحثين الذين عملوا لعقود على بناء الأسس العلمية التي مهدت للذكاء الاصطناعي الحديث والتعلّم العميق. فالقدرات العلمية المدهشة التي تستفيد منها البشرية اليوم تقف وراءها سنوات طويلة من البحث والصبر والاجتهاد العلمي.
شكري لمن أسهموا في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أنظمة عملية متاحة للناس
كما أتوجه بخالص الشكر إلى سام ألتمان، إيلون ماسك، غريغ بروكمان، إيليا سوتسكيفر، ديميس هاسابيس، داريو أمودي، مصطفى سليمان، وإلى الفرق والمهندسين والخبراء الذين عملوا معهم. فقد ساهمت جهودهم المتنوعة في نقل الذكاء الاصطناعي من المختبرات إلى أنظمة ومنصات وأدوات يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، وفتحت أبوابًا جديدة في مجالات العلم والبحث والكتابة والترجمة والحوار الفكري.
فالشكر أولًا لله تعالى، الذي وهب الإنسان العلم والعقل، ثم لكل من جعله الله سببًا في هذه الرحلة العلمية العظيمة.
لا نخاف من الذكاء الاصطناعي؛ بل نفهمه، ونحسن استخدامه، ونوجّهه نحو الخير.
ولعل هذا “الدرويش التكنولوجي” ليس منافسًا للإنسان، بل رفيقًا جديدًا له في رحلة العلم والمعرفة.
السرّ الذي ما زال اليوم وراء حدود العقل،
قد يفتح غدًا بابًا جديدًا من أبواب المعرفة.














