د. محمد كامل الباز يكتب: هناك تم قنص الإنسانية (سفاري سراييفو)

دائمًا ما يُقال إن الفعل خيرٌ من ألف مقال. ربما تجد أحدًا يتكلم ويُجَعْجِعُ نهارًا جهارًا، ولكنك تجد فعله لا يساوي شيئًا.
بنفس المبدأ والقاعدة، كان التعامل مع المتنورين المتفتحين والنخبة المثقفة. كانوا يصطدمون مع أصحاب المشروع المحافظ، يتهمونهم بالتخلف تارة، والرجعية تارة أخرى، وأحيانًا بالانفصال عن الواقع. هذا بالطبع غير التهم المعلَّبة، مثل الشدة والغلظة والجمود، ومنها أيضًا التأخر ومناهضة الإنسانية.
وصل بهم التهكم والهجوم إلى أن بدأوا يهاجمون الشعائر الدينية والتعاليم الربانية. منهم من اعترض على ذبح الأضاحي في العيد واعتبرها قسوة ضد الإنسانية. وآخر تكلم عن معاملة المرأة، وكيف تأخذ نصف نصيب الرجل في الميراث، ولماذا لا تتولى المرأة إدارة أي بلد، مُدَّعيًا أن هذا ما هو إلا قهر للمرأة وضرب بكل تعاليم الإنسانية عرض الحائط. إنه كلام متكرر ونغمة واحدة دائمًا ما يدندن بها المتنورون العلمانيون الذين يزعمون أنهم يسبقون المحافظين بسنة ضوئية؛ يسبقونهم في كل شيء، ومن أهم تلك الأشياء أو الادعاءات هي الإنسانية. نعم، يزعم المتنورون دائمًا بل زورًا أن الإنسانية تسبق الدين بل وتتفوق عليه، القوم يقولون كذبًا إن الإنسانية جمعت وأوصلت ما فرَّقه الدين وقطعه!
سنتعامل مع هؤلاء المتنورين، كما ذكرنا في بداية المقال، بالفعل وليس بالقول. سنكلمهم في حقائق وأحداث دون رغي أو إفلاس.
إبان حرب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، حدث كل شيء يناقض كلام هؤلاء المتنورين، حدث كل شيء يضرب الإنسانية في أبهى صورها ويُظهر العالم الكاذب الذي وقف ينظر ويتابع قتل الآلاف من مسلمي البوسنة، وهو لا يحرك ساكنًا ولا ينشر واقعًا. استمر كذب هذا العالم الذي يدعي الإنسانية سنوات حتى اضطر في الآخر لعقد مؤتمر دايتون للسلام بعد اغتصاب النساء وقتل الأطفال والشيوخ والرجال.
لكن ليس كلامي هنا عن اكتفاء العالم بالمشاهدة عزيزي، بل إن تلك المرة الأمر فاق المشاهدة وإصدار القلق والتصريحات.
كشف المدعي العام الإيطالي بميلانو كارثة، أو إن شئت فقل فضيحة من العيار الثقيل، بناءً على تقديم مادة إعلامية بعنوان “سفاري سراييفو”، وبشهادة جنود سابقين في سلاح المدفعية الصربية، تَبَيَّنَ في الفترة من 1992 إلى 1994، وأثناء حصار سراييفو من قبل الصرب، أنه تم دفع مبالغ طائلة من أثرياء طليان وألمان وفرنسيين (رواد الحضارة والإنسانية) إلى قادة وجنود صرب، وذلك من أجل قنص المارة بشوارع البوسنة والهرسك!
لم يكن هذا بدافع الكراهية والعداء، كي لا نظن في هؤلاء الملائكة التي تسير على الأرض وتدعونا لأخذ الإنسانية منهجًا وشرعًا بدلًا من ديننا، ولكن كان لهدف التسلية والترفيه فقط!
نعم، كان الثري الإيطالي يأخذ زوجته في نزهة إلى الصرب، ويتم وصوله لربوة عالية بمساعدة الجنود الصرب بعد دفع الأموال طبعًا، ليأخذ بندقيته ويبدأ يُشبع رغبته وهوايته في الصيد. ليس صيد أرانب برية أو طيورًا عادية، بل جاء ليقنص من يَحلو له من المارة المسلمين. اليوم شاب، غدًا شيخ، وبعد غد امرأة. أما الأطفال، فكان لهم نظام خاص، حيث كان على الأثرياء المتحضرين من أوروبا، الذين يتهمون ديننا الإسلامي بالقسوة ومعاداة الإنسانية، أن يدفعوا أضعاف المبلغ ليسمح لهم جنود الصرب بقنص الأطفال، حيث إن مَغْنَمَهم أغلى بكثير!
إنها فضيحة أخلاقية وجريمة لا تُغتفر ممن يؤسسون جمعيات ومنظمات لحقوق الحيوان، كارثة أخلاقية عصفت بالعالم كله ووضعت هذا المجتمع العالمي الكاذب أمام مرآة ليرى فيها وجهه القبيح ويتعرَّى أمام سوءاته.
طبعًا ستحدث ضجة وتحقيقات وأخبار وملاحقات، ولكن لن يتم عقاب أحد في ذلك، وإلا لكان الأولى عقاب هذا الجيش الصربي المجرم الذي كان يغتصب ويقتل على مرأى ومسمع من الجميع ولم يحاسبه أحد!
والله، لقد خسرت الإنسانية يوم تنحى الإسلام جانبًا. والله، خسر العالم كله، مسلمين وغير مسلمين، يوم ابتعد الإسلام عن صدارة العالم وترك حكمه لمجموعة من الرعاع معدومي القلب والضمير. هل كان من الممكن أن يحدث هذا في زمن حكم الصالحين؟
ألم يأتِ المغيرة بن شعبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم معلنًا إسلامه ومعه مال قد أخذه من رفاق له قبل الإسلام بعد أن جعلهم يشربون الخمر فقتلهم وسرق أموالهم (لم يكن مسلمًا آنذاك)؟ جاء المغيرة للرسول صلى الله عليه وسلم، فهل قَبِلَ أشرف الخلق، وأفضل ولد آدم، مَن يتهمه هؤلاء الأوغاد بالإرهاب؟ هل قَبِلَ هذا؟
كان رده على المغيرة: “أما الإسلام فأقبله منك، لكن المال فليس لي به حاجة، فقد أُخذ غدرًا”. رفض المال وهو في أشد الحاجة إليه، حيث كانت منازل النبي والصحابة تَتَلَوَّى جوعًا، ولكن هذا المال جاء بطريقة غير شرعية لأنه جاء من الغدر! ما كان موقف سيد الخلق لو رأى ما يحدث الآن من أثرياء يدفعون الأموال ليستمتعوا بهواية قتل الناس وقنصهم في الطرقات؟!
إن العلمانيين المتنورين كل يوم يخسرون جولة في ساحة النزال مع التيار المحافظ. يتكلمون على كافة المنابر، ثم يأتي حدث لينسف كل كلامهم ويزرع الشك عند أتباعهم.
لم يقصف هؤلاء الأثرياء المسلمين في سفاري سراييفو، بل قصفوا كل تعاليم الإنسانية الهشة التي وقفت تراقب وتترك هؤلاء القتلة يمارسون التسلية والدعابة في قتل الشعب الأعزل.
فليستمروا في صياحهم وكلامهم، وليخرج كل يوم حدث وفعل يضرب بكل كلامهم عرض الحائط. وإن كان من كلامهم: “ديني الإنسانية ثم اعتنق ما شئت”، نقول لهم بعد أحداث ومهازل سراييفو: “إن ديني الإسلام وأفخر به ما حييت”.












