محمود كمال رضوان يكتب : ماذا لو تم رفع الحصانة عن نواب الشيوخ والبرلمان وإقتصارها داخل المجلس فقط؟ وهل سيستمر التسابق والصراع على الكرسي؟

في ظل التطور السياسي وتزايد الوعي المجتمعي بأهمية الشفافية، عاد الجدل حول الحصانة البرلمانية وحدودها، وهل ما زال الشكل القديم للحصانة مناسبًا أم يحتاج إلى إعادة صياغة تتماشى مع دولة المؤسسات والقانون. ومن بين أكثر المقترحات جرأة هو رفع الحصانة عن أعضاء مجلس الشيوخ والبرلمان خارج المجلس، بحيث تصبح الحصانة مقتصرة فقط على أعمالهم داخل قبة البرلمان.
تعزيز مبدأ المساواة أمام القانون
رفع الحصانة خارج المجلس يعني أن النائب يصبح مواطنًا عاديًا أمام القضاء، خاضعًا للقانون دون أي امتيازات أو استثناءات. وهذا يعزز الثقة العامة بأن الدولة لا تميز بين مواطن وآخر، وأن المسؤولية والمحاسبة تشمل الجميع.
الرسالة ستكون واضحة: لا أحد فوق القانون… حتى ممثلي الشعب أنفسهم.
زيادة النزاهة ورفع مستوى المسؤولية
عندما يدرك النائب أنه لا يمتلك غطاءً قانونيًا يحميه خارج المجلس، سيصبح أكثر التزامًا بسلوكه العام والمهني.
سيحرص على الانضباط، احترام القانون، وتجنب أي ممارسات قد تسيء لصورته أو لمكانة البرلمان. وهنا يرتفع مستوى المسؤولية، ويتحوّل الدور النيابي إلى وظيفة حقيقية لخدمة الناس، وليس امتيازًا اجتماعيًا أو سياسيًا.
تقوية أدوات الرقابة والمحاسبة
في ظل الحصانة الواسعة، تتأخر التحقيقات أحيانًا بسبب الإجراءات المعقدة لرفع الحصانة. لكن عند اقتصار الحماية داخل المجلس فقط، ستتمكن الجهات الرقابية والقضائية من أداء دورها فورًا دون تعقيد.
وهذا يعني عدالة أسرع، تحقيقات أكثر جدية، ومكافحة حقيقية لأي فساد محتمل.
تعزيز صورة البرلمان أمام الرأي العام
المجتمع يشعر أحيانًا بأن بعض النواب محصنون من المحاسبة، مما ينتج فجوة بين الناخب وممثله.. لكن حين يرى المواطن أن الحصانة لا تتجاوز أسوار البرلمان، وأن النائب يخضع للقانون مثل أي شخص آخر، فإن الثقة تعود.. وسيُنظر للبرلمان باعتباره مؤسسة وطنية شفافة وليست مكانًا للمزايا الخاصة.
ضبط السلوك العام للنواب خارج المجلس
العديد من الأزمات التي تشغل الرأي العام ترتبط بسلوك بعض النواب خارج القاعة.
إذا أصبحت الحصانة مرتبطة بالعمل البرلماني فقط، فسيدرك كل نائب أن أي تجاوز خارجي يمكن أن يُحاسَب عليه فورًا.
وبالتالي ستتراجع التجاوزات، وسيظهر نائب قدوة يعيش بين الناس بسلوك مسؤول واحترام كامل للقانون.
الحفاظ على جوهر الحصانة الحقيقي
فلسفة الحصانة البرلمانية في الأساس ليست حماية شخصية، بل تهدف لضمان حرية النائب في التعبير والمناقشة داخل المجلس دون خوف من الضغط أو التهديد.
ولذلك فإن قصر الحصانة على داخل البرلمان فقط يعيد الأمور إلى مسارها الصحيح، ويمنع استغلالها لتحقيق مصالح شخصية.
هل سيستمر التسابق والصراع على الكرسي؟
من أهم الأسئلة المتوقعة بعد تطبيق هذا النظام: هل ستظل المنافسة على المقعد البرلماني بنفس القوة؟
الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من الصراع الانتخابي كان مرتبطًا بامتيازات الحصانة، وليس فقط برغبة حقيقية في خدمة الناس.
عند رفع الحصانة خارج المجلس ستتغير المعادلة بالكامل.
سيختفي الدافع الذي كان يجذب البعض للمنافسة الشرسة، لأن المقعد لن يكون ملاذًا أو حماية كما كان يُنظر إليه سابقًا.
وسيظهر بدلاً من ذلك مرشحون حقيقيون يترشحون بدافع العمل العام والمسؤولية.
ومع غياب الحصانة الواسعة، ستصبح المنافسة مبنية على:
الكفاءة،
والنزاهة،
والقدرة على التواصل،
وخدمة المجتمع،
لا على النفوذ أو المزايا الخاصة.
وبذلك سيقلّ الصراع غير الشريف على الكرسي، وتتحول الانتخابات إلى ساحة تنافس محترمة تقوم على برامج حقيقية، لا على سباق نحو الامتيازات.
إن رفع الحصانة خارج المجلس خطوة قد تصنع تحولًا جذريًا في الحياة السياسية.
هي خطوة تعني مساءلة حقيقية، شفافية أكبر، ومسؤولية أعلى.
وتعيد تشكيل صورة النائب باعتباره ممثلًا للشعب أولًا، وخاضعًا للقانون دائمًا.
ربما يبدو القرار جريئًا، لكنه في الواقع يمثل حجر الأساس لبناء برلمان حديث يليق بدولة قانون ومجتمع واعى يسعى للإصلاح.












