دكتورة نرمين توكل تكتب : منتدى مصر: هندسة التنمية الوطنية من منطق “المشاركة” إلى آفاق “الاستدامة”
لم تعد المنتديات والمؤتمرات الوطنية في الفكر السياسي الحديث مجرد فعاليات بروتوكولية أو منصات لإطلاق الوعود التنموية؛ بل تحولت إلى غرف عمليات استراتيجية تقيس قدرة الدولة على التكيف مع المتغيرات، وتختبر مرونة مؤسساتها في مواجهة صدمات عالمية وإقليمية متلاحقة.
وفي هذا السياق، يأتي “منتدى مصر” ليمثل نقطة فارقة في مسار الدولة الوطنية، تحول فيها الخطاب العام من مجرد استعراض المشروعات إلى صياغة “هندسة تنموية متكاملة” تنتقل بالمجتمع من مربع التلقي إلى مربع المشاركة، ومن أفق الحلول المؤقتة إلى فضاء الاستدامة.
إن القراءة الدقيقة للمشهد تؤكد أن الدولة تدرك حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس الشارع، وهنا تكمن القوة الاستراتيجية للمنتدى؛ فهو يكرس فلسفة مأسسة الحوار الوطني الشامل.
فإشراك الخبراء، والقطاع الخاص، وممثلي المجتمع في جلسات مكشوفة تتناول القضايا الشائكة—من إدارة الدين وعجز الموازنة إلى ضبط الأسواق وتحسين جودة الخدمات—ليس إقراراً بصعوبة المرحلة فحسب، بل هو إجراء بالغ الأهمية لبناء “المناعة القومية”.
فالشفافية وإتاحة البيانات يعيدان ترميم جدار الثقة بين صانع القرار والمواطن، وتغلق المنافذ أمام التشكيك، محولةً الشارع من موقع المراقب إلى موقع الشريك الأصيل في تحمل مسؤولية بناء المستقبل.
وهذا الحوار التشاركي يمتد ليعيد صياغة الفلسفة الاقتصادية برمتها، خاصة عند الإجابة عن التساؤلات المثارة حول جدوى الإنفاق القومي الضخم على البنية التحتية خلال السنوات الماضية.
فالتحليل الاستراتيجي المنصف ينظر إلى هذه المشروعات بوصفها “الأصول السيادية المُمكّنة”؛ فكفاءة شبكات الطرق، ومصادر الطاقة المتجددة، والتحول الرقمي لم تكن رفاهية، بل كانت البنية الضرورية التي بدونها لا يمكن جذب الاستثمار الأجنبي المباشر أو توطين الصناعة المحلية.
واليوم، يعكس المنتدى مرحلة إعادة التوجيه الاستراتيجي، حيث تنتقل الدولة بسلاسة من مرحلة التأسيس والضخ الحكومي في البنية التحتية إلى مرحلة تمكين القطاع الخاص وجني العوائد التنموية، بما يضمن مرونة الاقتصاد وصموده أمام الهزات الخارجية.
ولا ينفصل هذا البناء الاقتصادي عن مفهوم الأمن القومي الشامل؛ ففي ظل إقليم يموج بالاضطرابات الجيوسياسية المتلاحقة، لم يعد مفهوم الأمن يقتصر على الردع العسكري التقليدي، بل امتد ليرتكز على “الأمن الحياتي”.
ومن هذا المنظر، تكتسب النقاشات المتعلقة بالأمن الغذائي، والمائي، والصحي أهمية سيادية قصوى؛ فالتوسع في المشروعات الزراعية العملاقة، وإدارة الموارد المائية برؤية استباقية، بالتوازي مع تعميق توطين الصناعات الدوائية وتطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، تمثل جميعها خطوط دفاع استراتيجية تهدف إلى تقليل الارتهان لتقلبات سلاسل الإمداد العالمية وحماية استقلالية القرار السياسي الوطني.
وفي النهاية، لا يمكن فصل هذا الحراك الداخلي عن الدور الإقليمي المحوري لمصر؛ فقدرتها على ممارسة سياسة “الاتزان الاستراتيجي” والحفاظ على موقعها كركيزة استقرار في المنطقة تعتمد بالأساس على تماسك جبهتها الداخلية.
إن نجاح المنتدى في تقديم حلول عملية ومستدامة للتحديات الراهنة هو ما يمنح الدبلوماسية المصرية القوة والصلابة اللازمتين لإدارة الملفات الإقليمية الشائكة بفاعلية.
وبذلك، لا يبدو “منتدى مصر” مجرد حدث عابر، بل محطة تقييم ذاتي تعكس نضج التجربة التنموية، وتؤكد أن الرهان الحقيقي يتجسد في تحويل هذه الرؤى التشاركية إلى سياسات تنفيذية مستدامة تجعل من المواطن الاستثمار الأول في قلب الدولة الوطنية.










