⚡ عاجل
مقالات

حراسة المال العام.. بين أمانة الوظيفة وصرامة القانون


أخبار الناس


2026-11-02


12:20


منذ ساعة


مقالات

بقلم: أمل أصلان
المحامية بالنقض والإدارية العليا والدستورية

ليس أخطر على الدول من أن تتحول الوظيفة العامة من أداة لخدمة المجتمع إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية، وليس أشد تهديدًا للاقتصاد الوطني من أن تمتد يد العبث إلى المال العام، سواء بطريق الاختلاس أو الاستيلاء أو التربح أو إهدار الموارد أو استغلال النفوذ.

فالمال العام ليس مجرد أرقام مقيدة في ميزانيات الدولة، ولا أموالًا مملوكة لجهة إدارية فحسب، وإنما هو حق أصيل للمجتمع، تتجسد فيه حقوق المواطنين في التعليم والصحة والبنية التحتية والاستثمار والتنمية. ومن ثم، فإن الاعتداء على المال العام لا يمثل مجرد جريمة مالية، بل هو اعتداء على الثقة العامة، وإضرار مباشر بمصالح الدولة والمجتمع، وإخلال بمبدأ سيادة القانون.

أولًا: متى نكون أمام جريمة من جرائم الأموال العامة؟
لم يترك المشرع المصري حماية المال العام لمجرد المبادئ الأخلاقية أو الالتزامات الوظيفية، وإنما أحاطه بحماية جنائية خاصة، أفرد لها الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، تحت عنوان: «اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر».

وتتعدد صور الاعتداء على المال العام، ومن أبرزها:
1. جريمة الاختلاس (المادة 112): وتتحقق عندما يختلس الموظف العام أموالًا أو أوراقًا أو غيرها وجدت في حيازته بسبب وظيفته.
2. جريمة الاستيلاء على المال العام وتسهيل الاستيلاء عليه (المادة 113): وتتحقق عندما يستولي الموظف العام بغير حق على أموال الجهات التي حددها القانون، أو يسهل للغير الاستيلاء عليها.

3. جريمة التربح (المادة 115): وتقوم عندما يحصل الموظف العام أو يحاول الحصول لنفسه أو لغيره، دون حق، على ربح أو منفعة من عمل من أعمال وظيفته.

4. جريمة الإضرار العمدي بالمال العام (المادة 116 مكرر): وتعاقب الموظف العام الذي يتعمد الإضرار بأموال أو مصالح الجهة التي يعمل بها أو يتصل بها بحكم وظيفته.

5. جريمة الإضرار غير العمدي بالمال العام (المادة 116 مكرر أ): وعالجت حالات الإهمال في أداء الوظيفة أو الإخلال بواجباتها أو إساءة استعمال السلطة إذا ترتب عليه إلحاق ضرر جسيم بالأموال أو المصالح التي يحميها النص.

ولا تقف صور الاعتداء عند هذه الجرائم، بل تمتد إلى الرشوة، واستغلال النفوذ، والتزوير في المحررات الرسمية، والكسب غير المشروع، متى توافرت الأركان القانونية لكل جريمة.

ثانيًا: هل كل مخالفة مالية تُعد جريمة من جرائم الأموال العامة؟
هنا تكمن إحدى أهم المسائل القانونية التي يجب عدم الخلط فيها؛ فليس كل خطأ إداري أو مخالفة مالية أو إخلال بإجراءات التعاقد أو تجاوز في الاختصاص يشكل بالضرورة جريمة جنائية.

إذ يتعين التفرقة بين المسؤولية التأديبية، والمسؤولية المدنية، والمسؤولية الجنائية؛ فلكل منها أركانه وشروطه وآثاره القانونية. ولا يجوز التوسع في تفسير النصوص الجنائية أو افتراض توافر القصد الجنائي لمجرد وقوع خسارة مالية أو صدور قرار إداري ثبتت مخالفته للقانون.

في جرائم الإضرار العمدي: يتعين إثبات العمد واتجاه إرادة الجاني إلى إحداث الضرر.
في جرائم الإضرار غير العمدي: تتطلب توافر الخطأ والضرر الجسيم وعلاقة السببية بينهما.

في جريمة التربح: لا تقوم لمجرد تحقيق الموظف منفعة، وإنما يلزم ثبوت اتصال هذه المنفعة بعمل من أعمال وظيفته وتوافر باقي عناصر الجريمة.
فالمسؤولية الجنائية لا تُبنى على النتائج وحدها، وإنما على ثبوت الفعل ونسبته إلى المتهم وتوافر أركانه القانونية الصارمة.

ثالثًا: خطورة استغلال الوظيفة العامة في تحقيق المصالح الخاصة
إن أخطر صور الفساد المالي ليست دائمًا تلك التي تظهر في صورة اختلاس مباشر، بل قد تتخفى وراء عقود ومناقصات وقرارات تخصيص وتوريد وتقييم أصول وتصرفات مالية تبدو في ظاهرها مشروعة.

وقد يكون الاعتداء على المال العام نتيجة تداخل المصالح الشخصية مع الاختصاصات الوظيفية، أو توجيه القرارات لتحقيق منفعة لشخص أو شركة على حساب المصلحة العامة. ومن هنا، تبرز أهمية قواعد الحوكمة، والشفافية، والإفصاح، والرقابة الداخلية، باعتبارها خطوط الدفاع الأولى ضد الفساد المالي والإداري.

فحماية المال العام لا تبدأ من ساحات المحاكم، وإنما تبدأ من سلامة اتخاذ القرار، ووضوح الاختصاصات، والرقابة على التصرفات المالية، ومنع تعارض المصالح.

رابعًا: الكسب غير المشروع.. عندما تصبح الثروة محل مساءلة قانونية
لم تقتصر الحماية التشريعية على صور الاعتداء المباشر على أموال الدولة، وإنما امتدت إلى مواجهة الكسب غير المشروع بموجب القانون رقم 62 لسنة 1975.

فقد اعتبر المشرع كسبًا غير مشروع كل مال يحصل عليه الخاضع لأحكام القانون لنفسه أو لغيره بسبب استغلال الخدمة أو الصفة، أو نتيجة سلوك مخالف لنص قانوني عقابي أو للآداب العامة. كما تناول القانون الزيادة غير المبررة في الثروة التي لا تتناسب مع الموارد المشروعة، متى توافرت شروط تطبيقه وعجز الخاضع لأحكامه عن إثبات مصدر مشروع لها.

والغاية من ذلك ليست مساءلة الأشخاص عن مجرد امتلاكهم ثروة، وإنما التحقق من مشروعية مصدرها في الحدود التي رسمها القانون.

خامسًا: العقوبة وحدها لا تكفي.. واسترداد المال العام هو جوهر الحماية
إن فلسفة التجريم لا ينبغي أن تتوقف عند توقيع العقوبة الجنائية، وإنما يجب أن تمتد إلى استرداد الأموال المعتدى عليها، وجبر الأضرار التي لحقت بالجهات العامة.

وقد قررت المادة 118 من قانون العقوبات — في الجرائم التي حددتها — إلى جانب العقوبات الأصلية، عقوبات تبعية وتكميلية وجوبية تتضمن:
العزل من الوظيفة أو زوال الصفة.
الرد والغرامة المساوية لقيمة المال أو المنفعة محل الجريمة.

كما أجازت المادة 118 مكرر الحكم بتدابير إضافية، من بينها الحرمان من مزاولة بعض المهن أو الأنشطة الاقتصادية، ونشر منطوق حكم الإدانة. وهنا تظهر الأهمية الحقيقية للتكامل بين التحقيق الجنائي، والرقابة المالية، والإجراءات التحفظية اللازمة للمحافظة على الأموال محل الجريمة.
سادسًا: ضمانات المتهم لا تتعارض مع حماية المال العام
إن مكافحة الفساد لا تعني التضحية بضمانات العدالة، كما أن حماية حقوق المتهم لا تعني التساهل مع جرائم الاعتداء على المال العام.

فالأصل أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات وفقًا للقانون، ولا يجوز تحويل الاشتباه أو الاتهام إلى إدانة مسبقة. وتظل سلامة إجراءات التحقيق، ومشروعية الأدلة، وقيام الدليل على توافر أركان الجريمة، واحترام حق الدفاع، من الضمانات الجوهرية التي لا يجوز تجاوزها.

كما أن تقدير الأدلة يجب أن يكون قائمًا على عناصر موضوعية مترابطة، وليس على مجرد افتراضات أو استنتاجات منفصلة عن الوقائع؛ فالعدالة الجنائية لا تكتمل بمجرد ملاحقة المتهم، وإنما تكتمل بكشف الحقيقة وصون الحقوق والحريات في جميع مراحل الدعوى.

خاتمة: المال العام أمانة.. والعدالة هي الحارس الحقيقي لها
إن حماية المال العام ليست مسؤولية جهة رقابية واحدة، ولا مهمة النيابة العامة أو القضاء وحدهما، وإنما هي منظومة متكاملة تبدأ من نزاهة الموظف العام، وتمر بحوكمة المؤسسات وشفافية القرارات، وتنتهي بسيادة القانون ومحاسبة كل من يثبت اعتداؤه على حقوق المجتمع.

والدولة القوية ليست تلك التي تكثر فيها العقوبات، وإنما تلك التي تُغلق فيها أبواب الفساد، وتُحترم فيها قواعد المساءلة، ولا يفلت فيها معتدٍ على المال العام من المحاسبة، ولا يُدان فيها بريء بغير دليل.

فالمال العام ليس ملكًا لمن يتولى إدارته، والوظيفة العامة ليست امتيازًا لتحقيق المصالح الخاصة، وإنما أمانة ومسؤولية، وكل انحراف عنها يجب أن يواجهه القانون بحزم، دون إفراط أو تفريط.. فسيادة القانون لا تعرف استثناءً، والعدالة لا تقبل الانتقائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى