مقالات

تونس الثورة و النهضة..أهداف لم تتحقق و إضطرابات لم تفارق

بقلم / محمد الحسينى

في عام 2010 ، أشعلت تونس شعلة الثورة في المنطقة العربية ، ثار الشعب التونسي على نظام بن علي وأبعده عن منصبه ،و بعد انتخابات، أصبح المنصف المرزوقي الرئيس الرابع في تاريخ تونس، و أصبح حزب النهضة ذا التوجه الإسلامي هو الحزب الأبرز بتونس بعدما كان يعاني رفض الإعتراف القانوني به فترة بن علي، و أستطاع التونسيون التوافق على دستور ديموقراطي في العام 2014 لكن دائما ما كانت تظهر قضايا خلافية حول هذا الدستور، و عاشت تونس سنوات من الشد و الجذب السياسي بين القوى السياسة بالإضافة لضعف الإداء الإقتصاي ما جعل الكثيرين يشككون في كون تونس قد تمكنت بالفعل في تحقيق أهداف ثورتها.
عاشت تونس لسنوات مع نوع الإسلام التقدمي الذي قدمه الحبيب بورقيبة وخليفته بن علي ، فتم تجريم تعدد الزوجات ، وتم تشريع الإجهاض ، وكان التأكيد على تعليم المرأة وتمكينها من أولويات الرئيسين، علمت حركة النهضة منذ البدايات خوف الناس مما قد يقودهم الإسلاميون المتطرفون إليه ، لذلك عملوا على إظهار بعض الإعتدال الأيدلوجي و الظهور بمظهر الإسلاميين الذين يحترمون المبادئ التقدمية في تونس ،و في عام 1989 شارك حزب النهضة في الانتخابات التونسية لكن تم حظر الحزب بتهمة الإرهاب.
الثورة و البناء السياسي
بطبيعة الحال يكون الوقت بعد الانتفاضات والثورات وقتًا حاسمًا للأحزاب القائمة والأحزاب المشكلة حديثًا التي تسعى إلى الظهور في الحياة السياسية بعد سقوط النظام ، في تونس تحالفت القوى السياسية فيما عرف بتحالف 18 أكتوبر للحقوق والحريات عام 2005 أي قبل الانتفاضة التونسية بخمس سنوات و كانت هناك من قبل هذا التحالف محادثات بين السياسسن و الأحزاب المختلفة ما يعني أنهم لم يرفضوا الحوار المجتمعي و إمكانية العمل سويا.
بعد الثورة تشكل المجلس الوطني التأسيسي في الفترة من 2011 ل2014 بعد تكليف أعضاء الثورة من المجموعات المتنوعة بتشكيل لجنة تعرف ب”هيئة بن عاشور” أو “الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة” و التي ضمت أحزابًا مختلفة وحركات مجتمعية مدنية ومثلت مجموعة واسعة من الأيديولوجيات ، كانت مهمة الهيئة الوصول لأفضل القرارات السياسية التي يجب اتخاذها في المرحلة المقبلة ، واتفقت الهيئة على أن أول شيء هو الحصول على جمعية تأسيسية منتخبة من قبل نظام سياسي ولكن ليس رئيسًا لأنهم اتفقوا على أن الجمعية يجب أن تقرر نوع الحكومة التي يجب أن تكون برلمانية أو رئاسية أو شبه رئاسية ، كما اتفقوا على أنه لا يمكن أن تكون هناك انتخابات رئاسية ديمقراطية دون قوانين انتخابية واضحة و دون دستور ، واتفقوا أيضًا على التمثيل النسبي بدلاً من نظام التمثيل بالأغلبية.
كانت تونس في ذلك الوقت بحاجة إلى حكومة ائتلافية تمثل أطياف مختلفة من التونسيين ، وهذا ما حدث في عام 2011 ، فتشكلت الحكومة من ثلاث أحزاب، حزبان علمانيان و حزب إسلامي عرف أئتلافهم ب”الترويكا” و تكون من حركة النهضة و المؤتمر من أجل الجمهورية و التكتل الديموقراطي من أجل العمل و الحريات.
واجه المجلس التأسيسي العديد من الانتقادات و كانت فترة عملة فترة للتشاحن السياسي و التوترات ،ففي 2013 تم اغتيال اثنين من قادة المعارضة البارزين على يد متطرفين إسلاميين و هما شكري بلعيد و محمد براهمي بالإضافة لدعوات الباجي قائد السبسي رئيس حزب نداء تونس بأن هذا البرلمان سيكون غير دستوري في الذكرى الأولى لتأسيسه لأنه لم يكن هناك دستور بعد ، كل ذلك إلى جانب حركة “تمرد التونسية” التي ظهرت في يونيو 2013 التي ظهرت كمحاكاة للحركة المصرية بذات الاسم و التي سعت في تونس إلى وقف ما سمته بأخونة الدولة و الأداء الهزيل لحكومة الترويكا و تجاوز المجلس التأسيسي لمدته القانونية.
لكن المجلس التأسيسي التونسي بقيادة مصطفى بن جعفر استطاع الصمود ، واستطاع إقناع جميع الأحزاب في البرلمان بأن يكون لها صوت واحد فقط بغض النظر عن نسبتها في البرلمان في ما سيطلق عليه “لجنة التوافق” ، كما تمكن من إجراء حوارات مع قيادات سياسية متعددة، أعاد بن جعفر فتح المجلس الوطني التأسيسي في سبتمبر 2013 بعد تعليقه في أغسطس من نفس العام ، في 27 يناير 2014 تمت الموافقة على الدستور ، بعد أن تم التوصل للدستور استقال رئيس الحكومة الإسلامي علي العريض لصالح تعيين رئيس حكومة توافقي ليشكل حكومة تكنوقراط.
السبسي و النهضة..الا ئتلاف و الخلاف
في الانتخابات البرلمانية بأكتوبر 2014 ، فاز حزب نداء تونس المعادي لللإسلاميين بزعامة السبسي بالعدد الأعلى من المقاعد بين الأحزاب ب86 مقعد من أصل 217 لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى العدد الذي يمكنهم من تشكيل الحكومة وحدهم، لذلك و بعد محاولة تشكيل الحكومة مع عدد من أحزاب الأقلية بدون نجاح، شكلوا ائتلافا مع حزب النهضة ، وفي الانتخابات الرئاسية بديسمبر من ذات العام استطاع السبسي الفوز في انتخابات ضيقة على منافسه المنصف المرزوقي ليصبح أول رئيس تونسي منتخب ديموقراطيا بالأقتراع العام.
في 2015 نفذ تنظيم “الدولة الإسلامية” الموجود في ليبيا ثلاثة اعتداءات في تونس، حيث قتل 21 سائح أجنبي وشرطي تونسي في اعتداء على متحف باردو في العاصمة تونس في مارس، وفي شهر يونيو أوقع اعتداء على فندق بمرسى القنطاوي بالقرب من سوسة 38 قتيلا بينهم 30 بريطانيا، وفي نوفمبر استهدف هجوم الحرس الرئاسي ما أسفر عن 12 قتيلا، وفي مارس 2016 هاجم عشرات الجهاديين منشآت أمنية في بن قردان ، ما أسفر عن مقتل 13 من قوات الأمن وسبعة مدنيين.
في مايو 2018، تصدر حزب النهضة نتائج الانتخابات البلدية في عدد من المدن وسط إحجام كبير من المواطنين عن المشاركة، و في سبتمبر أعلن الرئيس السبسي انتهاء التحالف مع النهضة بعد رفض الحركة طلب حزب نداء تونس الحاكم إقالة رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي كان على خلاف سياسي مع حزب نداء تونس و حافظ قائد السبسي، و أتهم الرئيس الحركة و الشاهد بالتحالف معا، و أعلن آن ذاك أنه يتعين تغيير الدستور و النظام الأنتخابي و أنه يتمنى تحسين الدستور لكن الأمر ليس بيده، و حتى وفاة الرئيس السبسي في يوليو 2019 ظلت تونس تعيش حالة من الصراعات و الانقسامات الحزبية حتى انها لم تتمكن من تأسيس محكمة دستورية لان الاحزاب لم تتمكن من تجاوز خلافاتها لانتخاب اعضاء المحكمة.
قيس سعيد و إجراءات غير مسبوقة
في اكتوبر 2019 أعلن عن قيس سعيد رئيسا لتونس بعد فوزه بفارق واسع عن منافسه في الانتخابات و باركت حركة النهضة هذا الفوز و دعت أنصارها للأحتفال به، كما تصدرت حركة النهضة في الانتخابت البرلمانية لكن دون أغلبية مطلقة تخولها تشكيل الحكومة.
تصاعد التوتر في تونس في 25 يوليو 2021، بعد أن أقال الرئيس قيس سعيد رئيس الحكومة هشام المشيشي و حل البرلمان و كان الرئيس و المشيشي على خلاف دائم تقريبا لكن الأخير أعلن فيما بعد أنه يؤيد الإستقرار في تونس و أنه على إستعداد لتسليم السسلطه لمن يكلفه الرئيس،هذه الخطوات اعتبرها خصوم الرئيس ولا سيما الإسلاميون “انقلاباً خطيراً”، تأتي هذه الإجراءات بعدما شهدت تونس موجه واسعة من التظاهرات التي طالبت بإقالة الحكومة وحل و محاسبة البرلمان في ظل تفشي وباء كورونا بأعداد غير مسبوقة و تردي الأوضاع بشكل عام، ولا تزال شعبية الرئيس التونسي حسب مراقبين مرتفعة و يتمتع بقبول و تأييد واسع من الشباب التونسيين.
كما أصدر الرئيس سعيّد مرسوماً رئاسياً رسميا يقضي بإقالة الوزراء الرئيسيين، ضمت الإقالة المسؤولين عن الداخلية والدفاع والعدل، وسرعان ما عيّن رئيس الأمن الرئاسي للإشراف على وزارة الداخلية التي كان يتولاها المشيشي.
على الصعيد الأقتصادي عانت تونس من إرتفال نسب البطالة إلى نحو 18 في المئة حسب الإحصاءات الرسمية و بلغت نسبة البطالة بين الشباب 36 في المئة بنهاية عام 2020، عانى الأقتصاد التونسي من أزمة قبل تفشي الجائحة و كان للوباء تأثير كبير جدا على الاقتصاد الوطني و على الشركات المحلية، حيث تضرر قطاع السياحة أحد أهم القطاعات الأقتصادية في تونس، تضرر بشدة من أزمة كورونا، و كذلك قطاع التصنيع و غير ذلك من القطاعات ما أدى لإنكماش الأقتصاد التونسي بنسبة 9 في المئة.
بجانب الإضطرابات التي عاشتها تونس على مختلف الأصعدة، زاد إحباط التونسيين تعامل بلادهم مع فيروس كورونا، فمعدلات الوفيات الناجمة عن الفيروس في تونس هي الأعلى في شمال افريقيا والشرق الأوسط حسب احصاءات منظمة الصحة العالمية، كما أن أقل من 8 في المئة من السكان البالغ عددهم 11.9 مليوناً قد تم تطعيمهم بالكامل حتى 25 يوليو 2021.
في ظل كل هذه الظروف تأتي إجراءات الرئيس التونسي كبارقة أمل لقطاع عريض من التونسيين الواثقين به بوعوده بمحاربة الفساد و المفسدين و إعادة ما تم نهبه من حقوق الشعب التونسي.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: