إبراهيم مدكور يكتب.. سامح سالم.. من باريس إلى كوريا.. حكاية ثقة
- في حياة كل واحد مننا أشخاص نلتقي بهم في وقت عابر، وربما لا ندرك وقتها أن هذا اللقاء سيترك علامة في ذاكرتنا، ثم تأتي الأيام لتضعنا أمام اختبار حقيقي، فنكتشف أن بعض العلاقات لم تكن مجرد صدفة، وأن بعض الأسماء تظل حاضرة في ذاكرتنا لأن أصحابها تركوا وراءهم شيئًا أكبر من مجرد معرفة عابرة
- حكايتي مع الدكتور سامح سالم بدأت من باريس، لكنها لم تأخذ معناها الحقيقي إلا في كوريا
- كنت في مهمة عمل خارج مصر، مرافقًا لمنتخب مصر للبوتشيا خلال مشا
في حياة كل واحد مننا أشخاص نلتقي بهم في وقت عابر، وربما لا ندرك وقتها أن هذا اللقاء سيترك علامة في ذاكرتنا، ثم تأتي الأيام لتضعنا أمام اختبار حقيقي، فنكتشف أن بعض العلاقات لم تكن مجرد صدفة، وأن بعض الأسماء تظل حاضرة في ذاكرتنا لأن أصحابها تركوا وراءهم شيئًا أكبر من مجرد معرفة عابرة.. تركوا ثقة.
حكايتي مع الدكتور سامح سالم بدأت من باريس، لكنها لم تأخذ معناها الحقيقي إلا في كوريا.
كنت في مهمة عمل خارج مصر، مرافقًا لمنتخب مصر للبوتشيا خلال مشاركته في كأس العالم بكوريا الجنوبية، وكما يحدث في كل البطولات الكبرى، لا تعرف معنى الإرهاق إلا بعد أن تتراكم عليك الأيام، والمباريات، والتحركات، والسفر، والوقوف لساعات طويلة، ومتابعة كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة التي تفرضها المهمة.
في البداية، حاولت أن أتعامل مع الأمر كأنه مجرد إجهاد طبيعي ، ألم في العظام والعمود الفقري، لا بأس.. أتحمل.
لكن مع مرور الوقت بدأ جسدي يرفض هذا المنطق، وزاد الألم إلى درجة شعرت معها أن قدرتي على التحمل بدأت تنفد.
حاولت أن أجد حلًا وأنا في كوريا، فتوجهت إلى طبيب هناك، وخضعت لعدة جلسات مساج وتدليك، على أمل أن يكون الأمر مجرد إجهاد أو شد عضلي، لكن دون تحسن حقيقي.
وبينما كنت أواصل عملي، بدأ سؤال آخر يفرض نفسه علي: ماذا سأفعل عندما أعود إلى مصر؟
لم أكن أبحث وقتها عن مجرد طبيب، وإنما عن شخص أثق فيه، شخص أستطيع أن أذهب إليه وأنا مطمئن إلى أنني بين أيد أمينة، بدأت أسأل وأستفسر.
ومن المرات النادرة التي تكون فيها الإجابة أكثر وضوحا من السؤال نفسه، كان اسم الدكتور سامح سالم يتكرر أمامي أسأل شخصًا.. “سامح سالم.” أسأل آخر.. “روح لسامح سالم.”
وكأن هناك اتفاقا غير مكتوب بين كل من تعامل معه من قبل.
لم يكن الأمر مجرد حديث عن طبيب متميز، وإنما كانت الكلمات تتكرر حول علمه، ومهنيته، وأخلاقه، وقبل كل ذلك جدعنته واهتمامه بالناس، وهنا تذكرت باريس.
كانت قد جمعتني بالدكتور سامح سالم أيام طويلة خلال أولمبياد باريس، وكنت شاهدا وقتها على مكانته داخل البعثة المصرية، لاعبين وإداريين وإعلاميين وكل من كان موجودا تقريبا كانت تجمعه به علاقة مباشرة، وكثيرون كانوا يترددون عليه للكشف والاستشارة.
وكان اللافت أن الجميع تقريبا كان يخرج من عنده بالكلام نفسه: طبيب شاطر، مهني، محترم، والأهم أنه “جدع”، وقتها كانت تلك بالنسبة لي شهادة أراها وأسمعها من الآخرين.
أما في كوريا، فقد أصبحت أنا صاحب الحاجة، ولهذا لم أتردد لحظة ، اتصلت به من كوريا.
جاء صوته من الطرف الآخر بنفس الروح التي عرفتها في باريس، واستقبلني بكلماته التي تحمل الكثير من الود: “هيما البرنس الغالي” ، كلمة بسيطة، لكنها في لحظة ألم، وأنت على بعد آلاف الكيلومترات من بلدك، تحمل معنى أكبر بكثير من مجرد كلمة ترحيب.
شرحت له ما حدث بالتفصيل، وكان رده واضحًا: لا تتأخر، وعندما تعود إلى مصر تعال إليّ فورًا، وكان حريصًا على أن يراني بنفسه ويعرف حقيقة ما أعاني منه، عدت إلى مصر، وكان الذهاب إلى الدكتور سامح سالم من أول الأشياء التي حرصت عليها، وهناك، اكتشفت أن ما سمعته عنه لم يكن مبالغة.
استمع باهتمام، وسأل عن التفاصيل، وفحص، وتابع كل ما حدث منذ بداية الألم، ولم يتعامل مع الأمر باعتباره مجرد شكوى عابرة، وهنا فهمت شيئًا مهمًا جدًا.
المريض لا يحتاج من الطبيب إلى العلم فقط، رغم أن العلم هو الأساس، يحتاج أيضًا إلى أن يشعر أن من أمامه يسمعه، ويفهمه، ويهتم به، وأنه ليس مجرد رقم أو حالة تمر أمامه ثم تنتهي.
في لحظات المرض والتعب، الإنسان لا يبحث فقط عن العلاج، وإنما يبحث عن الطمأنينة، وربما هذه هي القيمة الحقيقية التي يصعب أن تُكتب في سيرة ذاتية أو تُقاس بعدد الشهادات.
أن تكون طبيبًا يعرف كيف يطمئن المريض دون أن يستخف بألمه، وكيف يتعامل مع الإنسان قبل أن يتعامل مع الحالة، وهنا عدت بذاكرتي إلى باريس مرة أخرى.
فهمت لماذا كان اسم سامح سالم حاضرًا وقتها بين أفراد البعثة، ولماذا ظل حاضرًا في ذاكرتي حتى وأنا في كوريا، ولماذا عندما بدأت أسأل في مصر لم أجد اختلافًا كبيرًا في الإجابات.
الثقة لا تأتي من إعلان، ولا تُصنع بكلمات مكتوبة، الثقة تُبنى موقفًا بعد موقف، حتى يأتي يوم تحتاج فيه إلى صاحبها، فتجد نفسك تتجه إليه دون تردد، وهذا بالضبط ما حدث معي.
تعرفت على الدكتور سامح سالم في باريس، واختبرت معنى الثقة فيه في كوريا، وبين الدولتيين كانت هناك مسافة آلاف الكيلومترات، لكن المسافة الحقيقية لم تكن بين باريس وكوريا، وإنما بين المعرفة والثقة .
باريس كانت بداية الحكاية. وكوريا كانت الاختبار.. ومصر كانت المكان الذي اكتملت فيه الصورة.
وفي النهاية، ربما لا يكون أجمل ما يمكن أن تقوله عن طبيب أنه يمتلك العلم والخبرة فقط، وإنما أن تقول إنك عندما احتجته وجدته، وعندما كنت بعيدًا عن بلدك شعرت أن هناك من تستطيع أن تلجأ إليه، وعندما كنت متعبًا وجدت أمامك شخصًا يتعامل معك كإنسان قبل أن يتعامل معك كمريض.
شكرًا دكتور سامح سالم، على مهنيتك، وعلى إنسانيتك، وعلى الجدعنة التي لا تحتاج إلى إعلان، وعلى الثقة التي لم تُبنَ في يوم واحد، وإنما صنعتها مواقف كثيرة، بدأت في باريس، وظهرت قيمتها الحقيقية في كوريا.
وهكذا أصبحت حكايتي معك تختصرها أربعة كلمات فقط: سامح سالم.. من باريس إلى كوريا.. حكاية ثقة.














