دكتورة نرمين توكل تكتب : العمل الإنساني في مصر… من ثقافة العطاء إلى صناعة الأثر
- هناك لحظاتٌ في حياة الإنسان لا يحتاج فيها إلى كلماتٍ كثيرة، بقدر ما يحتاج إلى أن يشعر بأن هناك من يقف إلى جواره
- قد تكون يدٌ تمتد بالمساعدة، أو طبيبٌ يخفف ألمًا، أو متطوعٌ يمنح جزءًا من وقته، أو مؤسسةٌ تسخّر إمكاناتها لخدمة المجتمع
- وفي مثل هذه اللحظات، تتجلى قيمة العمل الإنساني في أصدق صورها
- لأن الإنسانية ليست مجرد فكرةٍ نتحدث عنها، وإنما قيمةٌ تتحول إلى فعل، وموقفٌ يُترجم إلى أثر
هناك لحظاتٌ في حياة الإنسان لا يحتاج فيها إلى كلماتٍ كثيرة، بقدر ما يحتاج إلى أن يشعر بأن هناك من يقف إلى جواره. قد تكون يدٌ تمتد بالمساعدة، أو طبيبٌ يخفف ألمًا، أو متطوعٌ يمنح جزءًا من وقته، أو مؤسسةٌ تسخّر إمكاناتها لخدمة المجتمع. وفي مثل هذه اللحظات، تتجلى قيمة العمل الإنساني في أصدق صورها؛ لأن الإنسانية ليست مجرد فكرةٍ نتحدث عنها، وإنما قيمةٌ تتحول إلى فعل، وموقفٌ يُترجم إلى أثر.
وفي التاسع عشر من أغسطس من كل عام، يأتي اليوم العالمي للعمل الإنساني ليذكّر العالم بأن الإنسان يظل محور كل جهود التنمية والإغاثة والرعاية، وأن التضامن بين أفراد المجتمع ومؤسساته يصبح أكثر أهميةً في أوقات الأزمات والتحديات.
لكن العمل الإنساني، في تقديري، أوسع من أن يُختزل في تقديم المساعدات وقت الأزمات؛ فهو منظومة متكاملة من العطاء والرعاية والتكافل والتطوع، تمتد إلى مجالات متعددة تستهدف تحسين حياة الإنسان، وتعزيز قدرته على مواجهة تحديات الحياة، وفتح آفاقٍ أوسع أمامه للمستقبل.
وعندما نتأمل التجربة المصرية في هذا المجال، نجد أن العمل الإنساني يرتبط بثقافةٍ راسخة في المجتمع المصري، عرفها المصريون عبر تاريخهم في صورٍ عديدة من التكافل والتعاون ومساندة المحتاج، وهي ثقافةٌ تلتقي اليوم مع العمل المؤسسي الذي تقوم به مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمتطوعون.
وهنا تتجلى أهمية الدور المؤسسي للدولة؛ فالعمل الإنساني على نطاق واسع يحتاج إلى التخطيط والتنظيم وتنسيق الجهود، كما يحتاج إلى موارد وقدرات لوجستية ومؤسسات قادرة على الوصول إلى المستفيدين في الوقت والمكان المناسبين.
وقد شهدت مصر خلال السنوات الماضية توسعًا في مجالات العمل الاجتماعي والتنموي، إلى جانب تنامي دور مؤسسات المجتمع المدني والعمل الأهلي، بما يعزز فكرة الشراكة والتكامل بين مختلف الأطراف لخدمة المجتمع ودعم الفئات الأولى بالرعاية.
ويأتي التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي أحد النماذج البارزة في هذا السياق، بما يجمعه من مؤسسات وجهود أهلية تعمل في مجالات متعددة، ويسهم في تنسيق الجهود وتوسيع نطاق الوصول إلى المستفيدين، بما يعكس أهمية التعاون بين المؤسسات المختلفة لتحقيق أثر اجتماعي أوسع.
والجميل في العمل الإنساني أنه لا يرتبط بصورةٍ واحدة؛ فهناك من يقدم المساعدة المادية، وهناك من يقدم وقته وخبرته، وهناك الطبيب الذي يقدم علمه، والشاب الذي يشارك في عمل تطوعي، والمؤسسة التي توجه جزءًا من إمكاناتها لخدمة المجتمع، والمتطوع الذي يختار أن يجعل من وقته وجهده وسيلةً لمساندة الآخرين.
ومن هنا، فإن قيمة العمل الإنساني لا تتحدد فقط بحجم ما يُقدَّم، وإنما أيضًا بتنوع صوره وقدرته على الاستجابة للاحتياجات المختلفة.
وتتعدد صور العمل الإنساني بتعدد احتياجات الإنسان وظروفه؛ فقد تكون في صورة إغاثة عاجلة وقت الأزمات، أو رعاية صحية واجتماعية، أو تدريب وتأهيل، أو دعم يساعد على تحسين جودة الحياة. وكل صورة من هذه الصور تؤدي دورًا مهمًا، وعندما تتكامل الجهود وتتضافر الأدوار، يصبح أثر العمل الإنساني أكثر استدامةً واتساعًا.
ومن وجهة نظري، فإن أجمل ما يمكن أن يصل إليه العمل الإنساني هو أن تتحول المساندة إلى فرصة، والعطاء إلى أثر، والدعم إلى قدرة، بحيث يجد الإنسان إلى جانب المساعدة ما يعينه على مواصلة طريقه والمشاركة بصورة أكثر فاعلية في مجتمعه.
وهنا يلتقي العمل الإنساني مع مفهوم التنمية المستدامة؛ فكلاهما ينطلق من تقدير الإنسان، ويسعى إلى تحسين جودة حياته، وفتح مساحاتٍ أوسع أمامه للتعلم والعمل والمشاركة والإنتاج.
ولا يقتصر الدور الإنساني المصري على الداخل، وإنما يمتد كذلك إلى محيطه الإقليمي والدولي، خاصةً في أوقات الأزمات والكوارث التي تتطلب استجابةً سريعة وتنسيقًا بين العديد من الجهات.
وقد برز ذلك بصورة واضحة في جهود الإغاثة المرتبطة بالأزمة في قطاع غزة، حيث شاركت مؤسسات مصرية، وفي مقدمتها الهلال الأحمر المصري، في تنسيق وإيصال المساعدات الإنسانية بالتعاون مع الجهات والمنظمات المعنية. وقد وثقت الأمم المتحدة الدور الذي تقوم به مصر في تيسير وصول المساعدات الإنسانية، بما يعكس أهمية الإمكانات المؤسسية واللوجستية في الاستجابة للأزمات.
وتظل هذه الجهود جزءًا من منظومة أوسع للعمل الإنساني، تؤكد أن مساندة الإنسان في أوقات الأزمات مسؤولية تتطلب التعاون والتنسيق وتضافر الجهود، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.
كما يمثل الهلال الأحمر المصري نموذجًا مهمًا للعمل الإنساني المنظم، بما يقوم به من أدوار في مجالات الإغاثة والاستجابة للأزمات، وبما يتيحه من فرص لمشاركة المتطوعين في خدمة المجتمع. والمتطوع هنا لا يقدم وقتًا فحسب، وإنما يقدم رسالةً إنسانية تؤكد أن المشاركة المجتمعية قادرة على صناعة فارق حقيقي.
وفي هذا السياق، يظل الشباب أحد أهم عناصر القوة في العمل الإنساني؛ فالشباب يمتلكون الطاقة والقدرة على التعلم والمبادرة والعمل الجماعي، ويمكنهم من خلال التدريب والتوعية والمشاركة التطوعية أن يكونوا شركاء فاعلين في دعم مجتمعاتهم والاستجابة لاحتياجاتها.
ولا ينبغي أن ننظر إلى العمل الإنساني باعتباره مسؤولية مؤسسة واحدة؛ فهو مسؤولية مشتركة تتكامل فيها الأدوار. الدولة لها دورها، والمؤسسات الأهلية لها دورها، والقطاع الخاص له دوره، والمتطوعون لهم دورهم، والمواطن نفسه له دوره. وعندما تتلاقى هذه الأدوار حول هدفٍ واحد هو خدمة الإنسان، يصبح المجتمع أكثر قدرةً على مواجهة التحديات وأكثر استعدادًا لصناعة مستقبل أفضل.
ولعل هذا هو أحد أهم المعاني التي يحملها اليوم العالمي للعمل الإنساني؛ فهو لا يحتفي فقط بمن يقدمون المساعدة، وإنما يحتفي أيضًا بقيمة التضامن، وبالقدرة على تحويل التعاطف إلى عمل، والرغبة في المساعدة إلى مبادرة، والمبادرة إلى أثرٍ يستفيد منه الإنسان والمجتمع.
ومن هذا المنطلق، أرى أن التجربة المصرية في العمل الإنساني تستحق أن تُقرأ باعتبارها تجربةً متعددة الأبعاد؛ فهي تجمع بين ثقافة مجتمعية راسخة في التكافل والعطاء، ودور مؤسسي للدولة، وجهود المجتمع المدني، ومشاركة القطاع الخاص، وطاقة الشباب والمتطوعين.
وإذا كان العالم يحتفل في هذا اليوم بالإنسانية، فإن أفضل احتفال بها هو أن نواصل ترسيخ قيم الرحمة والتكافل والمسؤولية والمشاركة، وأن نجعل من العمل الإنساني جزءًا أصيلًا من ثقافة المجتمع.
فالإنسانية ليست فقط أن نمد يدنا إلى من يحتاجها في لحظةٍ صعبة، وإنما أن نؤمن بأن لكل إنسان قيمة، وأن لكل إنسان حقًا في الرعاية والكرامة والفرصة، وأن بناء مجتمع أكثر تماسكًا يبدأ من قدرتنا على أن يشعر كل فرد فيه بأنه ليس وحده.
وفي النهاية، ربما تختصر عبارة واحدة جوهر هذه المناسبة كلها:
العطاء قد يخفف ألمًا، والمساندة قد تمنح أملًا، أما العمل الإنساني حين تتكامل فيه الجهود، فيستطيع أن يصنع أثرًا يمتد إلى المستقبل.
وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تبقى حاضرة في كل وقت، لا في اليوم العالمي للعمل الإنساني فقط: أن يبقى الإنسان أولًا، وأن تظل كرامته ورفاهيته وقدرته على المشاركة وصناعة مستقبله هدفًا يجتمع حوله الجميع.















