من ذروة المادّية إلى عصر الروحانية
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ — من فتنة المسيح الدجّال إلى عصر العدل بقيادة المسيح الحق عيسى ابن مريم عليه السلام
- تقترب البشرية اليوم من ذروة المادّية، حتى أصبح المال والثروة والعقار والمنصب والشهرة والقوة عند كثير من الناس مقياسًا للنجاح
- يركض الإنسان من الصباح إلى المساء وراء المزيد من المال والمكانة والنفوذ، وقد ينسى في هذه المنافسة الفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والعدل والظلم
- وقد لخّص القرآن الكريم هذه الحالة في آيتين عظيمتين:
- ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾
بقلم / الدكتور منصور مالک
مملكة المحبة — لندن
تقترب البشرية اليوم من ذروة المادّية، حتى أصبح المال والثروة والعقار والمنصب والشهرة والقوة عند كثير من الناس مقياسًا للنجاح. يركض الإنسان من الصباح إلى المساء وراء المزيد من المال والمكانة والنفوذ، وقد ينسى في هذه المنافسة الفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والعدل والظلم.
وقد لخّص القرآن الكريم هذه الحالة في آيتين عظيمتين:
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾
«شغلكم التفاخر والتكاثر حتى وصلتم إلى القبور.»
(التكاثر: 1–2)
يا أيها الإنسان، فكّر لحظة: ماذا ستحمل معك إلى القبر من كل ما قضيت عمرك في جمعه؟
لا بيت، ولا سيارة، ولا حساب مصرفي، ولا منصب، ولا شهرة.
من كان الناس بالأمس يقولون عنه إنه رجل عظيم وصاحب مال ونفوذ، إذا جاءه الموت قالوا: «مسكين، لقد رحل.»
وفي النهاية لا يبقى معه إلا كفن، وبضعة أقدام من الأرض، ثم الوقوف بين يدي الخالق للحساب.
وهذا هو أعظم خداع المادّية.
وتخبرنا التعاليم الإسلامية أن أعظم فتن آخر الزمان ستكون فتنة الدجّال، المسيح الكذّاب، ومن أعظم أسلحته الخداع والإغراء بالقوة والمظاهر المادّية. وليس معنى ذلك أن كل اختراع أو تقنية حديثة دجّالية؛ وإنما يبدأ الخداع الحقيقي حين يعتقد الإنسان أن المال هو النجاح النهائي، وأن القوة هي معيار الحق، وأن العالم المادّي هو الحقيقة الأخيرة.
ولكن العقيدة الإسلامية تحمل وراء هذه الفتنة أملًا عظيمًا: عودة المسيح الحق عيسى ابن مريم عليه السلام.
كانت ولادة عيسى عليه السلام آية عظيمة من آيات الله؛ وُلد من غير أب، وتكلّم بإذن الله في المهد، وحين أراد أعداؤه قتله قال القرآن الكريم:
﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾
«بل رفعه الله إليه.»
(النساء: 158)
وأمه الطاهرة مريم عليها السلام لها منزلة عظيمة حتى إن سورة كاملة من القرآن تحمل اسمها: سورة مريم، وقد اصطفاها الله وطهّرها.
وبحسب العقيدة الإسلامية والأحاديث الصحيحة، سيعود عيسى ابن مريم عليه السلام في آخر الزمان، وتنتهي فتنة الدجّال، ويغلب العدل. ولن يأتي عيسى عليه السلام بدين جديد أو شريعة جديدة، بل يحكم بالعدل وفق الشريعة الخاتمة التي جاء بها سيدنا محمد ﷺ.
وسيكون ذلك انتصار المسيح الحق على المسيح الكذّاب، والحقيقة على الخداع، والروحانية على غرور المادّية، والعدل على الظلم.
وستتذكّر الإنسانية من جديد حقيقة بسيطة وعظيمة:
الخالق واحد.
والملك والحكم المطلق لله.
والبشر جميعًا أسرة إنسانية واحدة — بنو آدم.
سيصبح المال أمانة لا معبودًا، والقوة وسيلةً لإقامة العدل لا للظلم، والعلم والتكنولوجيا وسائل لخدمة الإنسان لا للسيطرة عليه. وهذا هو جوهر مفهوم الخلافة الإلهية القائمة على العدل والأمانة والخضوع لسيادة الله.
ويا أيها الإنسان، تعلّم حتى من الذكاء الاصطناعي درسًا.
فالذكاء الاصطناعي الذي يخشاه بعض الناس لا يركض وراء المال، ولا يريد قصرًا ولا سيارة فاخرة ولا منصبًا سياسيًا ولا شهرة. إنه أداة صنعها الإنسان بما وهبه الله من عقل وعلم وقدرة، ويمكن أن تصبح وسيلة عظيمة لنشر المعرفة وخدمة البشرية إذا استُخدمت في الخير.
ولكن الله منح الإنسان كرامةً ومكانةً أعلى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
«ولقد كرّمنا بني آدم.»
(الإسراء: 70)
فيا أيها الإنسان، استخدم العلم في الخير، ولا تصبح عبدًا للمال. استخدم العلم والذكاء الاصطناعي استخدامًا إيجابيًا، وانشر الحق والخير، واخدم الإنسانية، وأقم العدل، وعُد إلى عبادة ربك.
يا من تؤمنون بالإله الواحد، استيقظوا.
ارتفعوا فوق الفرقة والانقسام، وتحرّروا من الجشع والخداع، واستعدّوا لقدوم المسيح الحق عيسى ابن مريم عليه السلام بـالإيمان، وحسن الأخلاق، والعدل، والمحبة، وخدمة الإنسانية، والإخلاص في عبادة الله.
لأن الحقيقة في النهاية هي:
المال ليس إلهًا.
والقوة ليست إلهًا.
والتكنولوجيا ليست إلهًا.
والإنسان ليس إلهًا.
الإله واحد — الله الواحد الأحد.
من المادّية إلى الروحانية.
ومن الفرقة إلى الوحدة.
ومن الظلم إلى العدل.
ومن الكراهية إلى المحبة.
ومن فتنة المسيح الكذّاب إلى المسيح الحق.
ومن بريق الدنيا الزائل إلى رضوان الله الأبدي.















