دكتورة نرمين توكل تكتب : أرض الخير وأيدي العطاء
في عيد الفلاح المصري وتلاحم الدولة لتمكين المرأة الريفية
- في التاسع من سبتمبر من كل عام، تخضر الأوراق في ذاكرة الوطن لتستعيد مع معزوفة الفأس والأرض واحدة من أهم المحطات في تاريخ مصر الحديث
- فمنذ صدور قانون الإصلاح الزراعي عام 1952، والريف المصري يحمل على عاتقه إطعام الملايين وبناء اللبنات الأولى للاقتصاد القومي
- ولم يعد هذا اليوم مجرد مناسبة لتذكر الماضي، بل أصبح وقفة سنوية لرصد كيف تحولت القرى المصرية من مجرد مساحات للزراعة إلى ورش عمل كبيرة تشهد حركة تطوير شاملة وتغييراً حقيقياً في إدارة الموارد
في التاسع من سبتمبر من كل عام، تخضر الأوراق في ذاكرة الوطن لتستعيد مع معزوفة الفأس والأرض واحدة من أهم المحطات في تاريخ مصر الحديث. فمنذ صدور قانون الإصلاح الزراعي عام 1952، والريف المصري يحمل على عاتقه إطعام الملايين وبناء اللبنات الأولى للاقتصاد القومي. ولم يعد هذا اليوم مجرد مناسبة لتذكر الماضي، بل أصبح وقفة سنوية لرصد كيف تحولت القرى المصرية من مجرد مساحات للزراعة إلى ورش عمل كبيرة تشهد حركة تطوير شاملة وتغييراً حقيقياً في إدارة الموارد وتنمية المجتمع.
تتحرك جهود الدولة اليوم وفق خطط واضحة تعتمد على الفكر الاقتصادي والتنمية المتكاملة؛ فمشروع “حياة كريمة” لم يأتِ ليرمم المباني فحسب، بل ليغير وجه الحياة اليومية للمواطنين عبر مد شبكات المياه والمرافق الحديثة، وتطوير المدارس، وبناء الوحدات الصحية. وعلى الجانب الزراعي، دخلت التكنولوجيا قلب الحقول عبر منظومة “الكارت الذكي” لتنظيم توزيع السماد ومستلزمات الإنتاج بشفافية، إلى جانب التوسع في أساليب الري الحديثة لمواجهة شح المياه وضمان أقصى استفادة من كل قطرة، وهي خطوات تعزز القدرة الإنتاجية وتفتح مجالات واسعة للاستثمار الزراعي وتوفير الأمن الغذائي.
وفي قلب هذه الحركة التنموية، يظهر الدور الأكبر للمرأة الريفية التي طالما كانت الشريك الأبرز في زراعة الأرض وإدارة بيوت القرى. ولأن تمكينها يمثل الخطوة الأولى لرفع مستوى معيشة الأسرة، جاءت الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة 2030 لترسم خارطة طريق واضحة تنقل المرأة من دائرة الدعم والمساعدة إلى دائرة التأثير والإنتاج. ومن خلال هذه الاستراتيجية الشاملة بمحاورها الاقتصادية والاجتماعية، ركزت البرامج الحكومية على منح المرأة الريفية الفرصة لتكون صانعة قرار اقتصادي؛ فعبر تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، مثل مشروع “مستورة” والتسهيلات التي يقدمها بنك التنمية الزراعي، أصبحت مئات الآلاف من النساء يمتلكن مشروعاتهن الخاصة في مجالات التصنيع الغذائي، والحرف اليدوية، وتربية الماشية.
ولم يتوقف هذا الدعم عند حدود المادة، بل امتد ليوفر مظلة أمان اجتماعي وصحي تكفل للمرأة حياتها الكرامة والأمان؛ فجاءت مبادرات الرعاية الصحية للكشف المبكر عن الأمراض، وخطط محو الأمية، وبرامج الدعم النقدي المشروط مثل “تكافل وكرامة” لضمان دخل ثابت للأسر الأكثر احتياجاً والمعيلات.
ختاماً، ومن منظور تحليلي استراتيجي، أرى أن الدولة المصرية لم تعد تتعامل مع الريف كقطاع هامشي يستهلك الموارد، بل كمرتكز استثماري يُعيد رسم خريطة الاقتصاد القومي؛ فالاهتمام بالفلاح وتوسيع دائرة تمكين المرأة الريفية ينقل المجتمع القروي من نمط “الإنتاج الموازي” إلى قلب سلاسل القيمة المضافة ومحركات التنمية المستدامة. إن تحويل القرية إلى وحدة اقتصادية منتجة ومكتفية ذاتياً يمثل حجر الزاوية لبناء أمننا الغذائي، وركيزة أمننا القومي والاقتصادي في مواجهة التحديات العالمية المتسارعة.













